سيد محمد طنطاوي
149
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الذي لا يجرى . . ومنه دام الشيء إذا امتد عليه زمان . ودامت الشمس إذا وقفت في كبد السماء وقوله * ( عَلَيْه ) * متعلق بقوله * ( قائِماً ) * والمراد بالقيام الملازمة ، لأن الأغلب أن المطالب يقوم على رأس المطالب ، ثم جعل عبارة عن الملازمة وإن لم يكن ثمة قيام « 1 » . قال ابن جرير : فإن قال قائل : وما وجه إخبار اللَّه بذلك نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقد علمت أن الناس لم يزالوا كذلك ، منهم المؤدى أمانته ومنهم الخائن لها ؟ قيل : إنما أراد - عز وجل - بإخباره المؤمنين خبرهم على ما بينه في كتابه بهذه الآية ، تحذير المؤمنين من أن يأتمنوهم على أموالهم ، وتخويفهم من الاغترار بهم ، لاستحلال كثير منهم أموال المؤمنين « 2 » . ثم حكى - سبحانه - بعض الأسباب التي جعلتهم يبررون خيانتهم وجحودهم لحقوق غيرهم فقال - تعالى - : * ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) * . وقوله * ( ذلِكَ ) * إشارة إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله - سبحانه - * ( لا يُؤَدِّه ) * . والمراد بالأميين : العرب ، خصوصا من آمن منهم ، وسمى العرب بالأميين نسبة إلى الأم ، وذلك لغلبة الأمية عليهم لكأن الواحد منهم قد بقي على الحالة التي ولدتهم عليها أمهاتهم من عدم القراءة والكتابة . والسبيل : المراد به : الحجة الملزمة والحرج . وأصله الطريق ، ثم أطلق على الحجة باعتبارها طريقا ووسيلة للإلزام وتحمل التبعات . أي : ذلك الامتناع عن الوفاء بالعهود ، وجحود الأمانات والحقوق من الفريق الخائن . سببه زعمهم الباطل أنهم ليس عليهم حرج أو إثم أو تبعة في استحلال أموال العرب الأميين واستلابها منهم بأية طريقة ، لأن الأميين ليسوا على ملتهم . واليهود يزعمون أن كتابهم يحل لهم قتل من خالفهم ، كما يحل لهم أخذا ما له بأي وسيلة . وهذا الخلق الذميم معرق في اليهود ، لأن أنانيتهم جعلتهم يحرفون كتبهم على حسب ما تهوى نفوسهم ، فقد كانت التوراة تحرم الربا تحريما مطلقا فتقول : « لا تأخذ ربا من أخيك إذا أقرضته » فحرف اليهود هذا النص : إذ زادوا فيه كلمة الإسرائيلى فأصبح النص هكذا « لا تأخذ ربا من أخيك الإسرائيلى إذا أقرضته » وبذلك أصبحوا يحرمون الربا عند تعاملهم مع أنفسهم ويحلونه عند تعاملهم مع غيرهم ، لأنهم لا يشعرون بالأخوة الإنسانية العامة . قال الآلوسي : أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : بايع اليهود رجال من المسلمين في
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 288 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 3 ص 317 طبعة مصطفى الحلبي .